ضد التحرش – يوم التدوين
FILED IN هموم عامة No Comments
تذكرت من دقائق فقط أن اليوم هو اليوم الذي تحدد للتدوين والزقزقة ضد التحرش الجنسي في مصر. أردت أن أشارك ولو بشيء بسيط بعد أسابيع طوال من الانزلاق خلف العمل العام. ولعلنا نظل نذكر هذه الأيام فيما بعد
لم أفهم معنى التحرش حتى يوم مشهود في اتوبيس مذدحم في طريقي من الجامعة إلى البيت. قبل ذلك اليوم كنت أتعرض للمعاكسات أو خلافه ولم أكن حتى أنتبه لها. ولكن اليوم المشهود كان نقلة في حياتي بالكامل!!
وسط الزحام الرهيب في هذا الأتوبيس بالذات والذي كان يقطع المسافة من جامعة القاهرة إلى العباسية حيث أسكن في أكثر من ساعة، لم أتمكن من العثور على كرسي كما هو معتاد ووقفت مثل بقية خلق الله وكما اعتدت في الجامعة طوال أشهر السنة الأولى. في لحظة غير معلومة وقبل بلوغ منطقة الإسعاف، وجدت شخصا يلتصق بي ويده تنطلق كما لو كان يبحث عن شيء. وسط ذهولي ظننت أنه يبحث عن محفظة أو خلافه (يا لغباوتي وقتها!) وأسرعت بالالتفات لأجد أمامي شخصا في عمر والدي أو يزيد ويحمل كيسا يخفي به يده العابثة. أسرعت بعيدا برغم الزحام ولكن لم تمر دقائق حتى رأيته يخترق الزحام ويتبعني. من شدة التململ بدأ ركاب آخرون في التحرك بعيدا عنا وفي النهاية عرض علي أحد كرسيه فلم أمتنع (كما كانت عادتي قبلا) وجلست. وكانت المفاجأة الكبرى بهذا الكائن العابث يقف فوقي بالضبط ويدعو بالصلوات والابتهال بينما يده تمتد في وضح النهار ووسط الزحام إلى حيث لم تمتد يد كائن حي وبجرأة لم أتصورها. أردت البكاء بشدة ولم أدري ماذا أفعل والجميع يراني!!! شعرت بعري شديد كأن كل ما أرتديه تحول إلى سراب والجميع ينظر بشراهة إلى فيلم “للكبار فقط” بدون أن أجد عين واحدة تشفق أو ترفق. بعد مرور لحظات مرعبة كأنها دهر بلا نهاية تمكنت من الوقوف ونزلت في المحطة التالية وقد تغيرت حياتي للأبد!
لم يعد نفس هذا الجسد الذي أمتلكه هو جسدي بعد … صار شيئا قبيحا لا أريده ولا أريد أن يكون لي. كان قد امتلأ ليس فقط ذكريات بائسة حزينة ولكن أيضا كراهية بلا حدود ورغبة عارمة في الانتقام والشعور بالاضطهاد والوحدة. احتبست كل المشاعر السيئة التي عرفتها في حياتي في تلك اللحظة بداخل جسدي … لم يعد لي علاقة به سوي هذه العلاقة السيئة البائسة.
تمر عقود قبل أن أستطيع أن أحكي هذه القصة الحزينة وأواجه نفسي وأواجه مجتمع بكل ما يفعله. هل لهذا علاقة ببؤس هذا المجتمع وخداع العلاقات المزورة به؟ قيل لي وقتها “الكبت – الرجال يتزوجون ولا يسعدون” واخبروني بالله عليكم: كيف تستطيع امرأة تتعرض للتحرش من التمتع داخل البيت بما تكرهه خارجه؟؟؟
إن أجسادنا أيها الرجال من لحم ودم وليست حوائط خرسانية! كيف تتوقعون أن تنفر هذه الأجساد من كلمة جارحة ولمسة مكروهة، ثم تعود لكم بعدها بدقائق سالمة معافة تتمتع بالمديح والغزل؟ كيف تنتظرون أن تعشق الأجساد كلماتكم وهي تكره كل من تراهم في الشارع؟ استيقظوا واعلموا جيدا أن ما تحصدون هو ما زرعتوه من خوف ورعب وجزع وحزن. نفس المرأة التي تستبيحونها في الشارع هي التي تنفر منكم داخل البيت …. هو نفس الكائن ولكن في ثياب مختلفة، لا يحولها “ضل حيطة” إلى كائن حميم لم تلمسه عين.




