فزعني الخبر الذي تصدر الصحف الأيام الماضية اول قراءاته: استفتاء يمنع بناء المآذن!!!!!
“استفتاء في مصر؟ وعن المآذن؟ يمكن قصدهم منارات الكنايس؟ أو يمكن مآذن الشيعة؟”
بالطبع اتضح الأمر بعد قراءة الأسطر الأولى من الخبر والتي تتلخص في أن الواقعة ليست في مصر بل في سويسرا وأن الاستفتاء الشعبي كان يتعلق ببناء المآذن وليس المساجد، وأخيرا أن المنع تم لأن حوالي 57% رافضين للفكرة – مع العلم أن سويسرا كلها بها اليوم 4 مآذن وكان المخطط بناء 3 آخرين في السنوات القادمة.
“يعني الموضوع كله سبع مآذن في بلد خاوجات! أمال إيه الصداع ده كله” كان هذا رد الفعل الثاني عند تتبعي للأمر.
ولكن مع تفاقم الوضع وتواصل غضب المصريين – رجال دين ودولة وصحافيين ومفكرين وفنانين إلخ – وجدت نفسي أضحك من كل قلبي “شوف يا ربي إزاي متضايقين؟ أمال لو ما كانش العالم دي كلها عايشة في مصر كنا عملنا إيه.”
لنواجه الموقف: إذا كنت في مصر، لن تتمكن من بناء أي شيء إلا بصعوبة بالغة – ما عدا إذا كان هذا الشيء يتعلق بالأغلبية!
” من الآخر: أي حد ممكن يبني جامع أو زاية، لكن بطلوع الروح تبني كنيسة ومن المستحيل انك حتى تحلم تبني مثلا معبد يهودي أو بوذي او بهائي لا سمح الله”
لا أعلم لماذا يجد الكثيرين هذا الأمر طبيعي مثلا أن “قبة الكنيسة تجرح مشاعر غير المسيحيين” أو أن “بناء دور عبادة للبهائيين غلط وحرام، دول كفرة!” أو مثلا “فيه كنايس كتير كفاية عليهم كده” أو حتى “مفيش يهود في مصر تبنوا معابد لمين” إلى آخره من الحجج التي فجأة تتوقف عندما يتعلق الأمر ببناء مئذنة في مكان آخر من العالم لا يكاد أحد من المصريين يكون قد سمع عنه عدا في فيلم “هايدي”، وفجأة يتوقف “جرح المشاعر” و”الحلال والحرام” و”أصلهم كفرة” و”ما هو فيه كفاية” ويتحول الأمر إلى دفاع ضاري عن العقيدة وحرية العبادة في بلاد الأعاجم.
بعد أن توقفت عن الضحك كان رد الفعل الأخير البكاء على ما آل إليه الحال في هذا الزمن المنكوب: لقد صار من المعتاد والمقبول أن يكيل بمكيالين ولا يتورع أن يعلن ذلك بملئ الفم وفي وضح النهار كأن الأمر يوازي حقوق الإنسان في المعاملة السيئة!
“محدش يفهمني غلط: لو كنت عايشة في سويسرا كنت هأصوت مع ال 43% اللي قالوا مفيش مانع نبني مآذن. لكن أنا عايشة في مصر، ونفسي أصوت مع ال1% اللي نفسهم أن كل اللي عايز يبني دور عبادة يبني.”
الأمر الآخر الذي صدمني هو مدى الحماس الإعلامي والشعبي الذي يتفق تماما دون نقاش طويل وللمرة الثانية في أقل من شهر واحد، على قضية تكاد لا تتعلق بأحد بشكل مباشر: أولا ماتش الجزائر وثانيا المآذن في سويسرا.
“لما احنا شاطرين كده في الكورة والدفاع عن المسلمين المساكين في سويسرا، أمال خيبتنا تقيلة كده ليه في كل حاجة تانية.”
لو توجهت كل هذه الحماسة والشجاعة والهمة لمواجهة قضية داخلية واحدة تمس الجميع – مثلا غلاء الأسعار أو المستشفيات البالية أو حتى زحام المواصلات – ترى هل كانت تحدث فرقا؟ هل نتفق على القضايا التي لا تهمنا لأن ما نفعله في الواقع ليس ذو قيمة ونحن جميعا على علم بذلك؟ هل نريد التنفيس عن الفرح والغضب الذي يحتوينا ولا نجد سبيل مفيد لذلك؟ كم هذا محزن! أن نجد كل هذه الطاقة المهدرة لا توجه لأي شيء عدا ذلك.
“وماله خللي الناس تمبسط ولما تلاقي جنازة تشبع فيها لطم.”
غير أن هناك جنازة ضخمة في خلفية الصورة تسير بصمت تام وفي خفية عن الجميع ولن يكتشف أحد أن الجثث كلها قد تم دفنها سوى بعد فوات الأوان.
No Comments, Comment or Ping
Reply to “هيا نبني مئذنة”