إعلام أم ….؟


 

 

حظيت أمس بشرف الحضور والمشاركة في مؤتمر “مصريون ضد التمييز الديني” الثالث بعنوان“الإعلام والمواطنة”. والحق أن المؤتمر كان بالنسبة لي مفاجأة ليس لأن موضوع الإعلام وتشويهه في مصر هو موضوع جديد ولكن لأنني اكتشفت بحق معنى أن تكون صحافيا مصريا في عهد كهذا الذي نعيشه

 

 

أن تكون صحافيا مصريا اليوم يعني أنك “راجل غلبان” تعمل لحساب آخر يطلب منك انواع مختلفة من المستحيلات وتحتاج معها ان تكتشف انواع متفاوتة من الحيل للتعامل مع هذه المتطلبات، بما فيها الاتفاق مع بعض “المصادر” لتسهيل الحصول على المعلومات المستحيلة وما يترتب على ذلك من “سبوبة” للمصادر المعنية ويمكن أيضا “سبق صحفي” في حالات نادرة.

 

 

أن تكون صحافيا مصريا اليوم يعني أن لديك عدد غريب من الموضوعات لتغطيه في حوالي يومين من الضروري أن تقوم خلالها لزيارة لثلاث محافظات وتقابل عشرة أشخاص. بالطبع لأنك مصريا فأنت لن تقوم بأي من هذا وسوف تتمكن من الحصول على التليفونات المطلوبة وتقوم بالاتصال بأصحاب الشأن وتنقل عن ألسنتهم اي شيء هم على استعداد للإدلاء به بدون مشاكل. يفضل طبعا عدم العمل في موضوعات شائكة مثل الدين والجرائم وخلافه والاكتفاء بأخبار المحليات احتياطي يعني

 

 

أن تكون صحافيا مصريا يعني أيضا أنك يمكن أن تشارك في كل مهرجانات السينما وتقابل كل المشاهير وتلتقط لهم الصور – واحيانا حتى أن تنشر عنهم الشائعات، بشرط أن تكون حويطا بما . يكفي لئلا تنكشف أنك تقريبا لا تدري شيئا عن الموضوع  . قد يتاح لك الوقت لتتفرج على الخمس دقائق الأولى من كل فيلم ولا يتطلب الأمر كثيرا لتعرف كل ما تريد عن القصة والحبكة الدرامية والبطل والبطلة ومن القاتل في المشهد الأخير. بالطبع هناك أفلام تخدعك ولكن قليلا ما يأتي أحدا بعدها ليحاسبك أن ما كتبت هو عن جهل بالفيلم وليس عن نقد بناء

 

 

أن تكون صحافيا مصريا يعني أحيانا ان يوجد بعدك “ديسك” يمكنه تقريبا أن يغير أي شيء تكتبه إن لم يشابه أولويات المطبوعة أو لم تكن لغته “مثيرة” بما يكفي  . فيمكن للديسك المحترم مثلا تغيير عنوان موضوعك أو الاكتفاء بربع الحقائق المكتوبة. وليس من النادر أن يقرر الديسك الاستغناء تمام عن كتابتك والاكتفاء بالتصريحات الرسمية عن الموضوع وفي هذا السلامة للجميع

 

 

أن تكون صحافيا مصريا يعني انك تعمل على الأقل في جريدتان وثلاث محطات تليفزونية تعد فيها أربعة برامج. وبالطبع لأنك شخص ذكي لا يحب إضاعة الوقت فأنت تتأكد من دعوة كل ضيوفك في التليفزيون للإدلاء بتصريحات للجريدة أو إجراء حوار أو حتى كتابة موضوع بدلا منك في أحيان نادرة طبعا – فأنت تتقاضى أجرا لا “يأكل لقمة عيش” ومطالب كل يوم بتقديم الحقيقة العارية للعالم

 

 

أن تكون صحافيا مصريا يعني أنك تستطيع القيادة بسرعة قصوى والركن في أي مكان بسيارتك لأنك تعرف أنه لا يوجد رجل مرور واحد يريد التورط بوضع أسمه وصورته في الجريدة صباح الغد بل ويمكنك أحيانا الاستفادة في استخراج الأوراق الرسمية ورخصة المرور بدون حتى عناء الذهاب بنفسك للقسم

 

 

أن تكون صحافيا مصريا يعني أنك تشقى خلف معلومة أو تحقيق يتضح بعد قليل أنه لا يهم أحدا

وينتهي به الأمر في سلة المهملات مثل آلاف أمثاله والتي لم تعد مهمة بالمقارنة بأخرى . وقد تكون أحيانا الوحيد الذي يعرف الحقيقة ولا يستطيع حتى النطق بها أمام الآخرين لأن قصتك قد شوهت بالقصة العامة ولا يوجد ما تستطيع أن تفعله سوى الذهاب للعمل في الصباح التالي

 

 

أن تكون صحافيا مصريا يعني أيضا أن هناك الآلاف التي تقرأ ما تكتبه والمئات التي تنتظر أخبارك أو كتاباتك لأنك بالنسبة لهم الأفضل على الإطلاق

 

 

أن تكون صحافيا مصريا يعني أنك تجلس في مؤتمر مثل مؤتمر “مصريون ضد التمييز الديني” وتستمع إلى حوارات تدينك أو تشكرك بشدة على أعمالك وأقوالك ولكن أيضا تستمع لشكواك بصدق وتقترح مساندتك في سعيك لأن تقدم المزيد. وتجد الفرصة لأول مرة للقاء زملائك في الكفاح وتكتشف أنك لست الوحيد الذي يعاني وأن هناك الكثيرين مثلك. كما تستطيع للمرة الأولى الجلوس مع اساتذتك كبار المهنة ومحاورتهم وسؤالهم والاستفادة من خبراتهم

 

 

أن تكون صحافيا مصريا اليوم يعني كل الاحترام وكل اللعنة … كل المميزات وكل المسئوليات .…كل الخير وكل الشر… كل المزايا والعيوب

 

 

أن تكون صحافيا مصريا اليوم فأنت في الموقع الوحيد الذي يمكنك من الوصول لقمة المجد أو أسافل الهاوية ما بين سطر وآخر … وعليك اليوم أن تختار بنفسك أيها تريد


3 Comments, Comment or Ping

  1. أرى أن الصحافة المصرية تشهد تحسنا طفيفا، لكن مستمرا، في أداءها، حفزه وجود الصحف المستقلة و الإعلام غير الحكومي عموما، و طبعا المدونين، الذين يقومون بدور ناقد للأداء الصحفي كما تتطعم بهم المؤسسات الصحفية جالبين إليها مهارات و عقليات لم تكن موجودة من قبل، أو كانت موءودة.

    يبقى القضاء على الدسك و تأسيس النقابات الحرة :)

    أظن أنه بعد جيل سننظر إلى عصر “الصحافة القومية” بكثير من الازدراء و عدم التصديق أننا تحمّلنا كل هذا.

    May 30th, 2010

  2. samer

    القيادة بأقصى سرعة والا عدم ربط الحزام؟

    May 30th, 2010

  3. انت أدرى بقى :)

    June 13th, 2010

Reply to “إعلام أم ….؟”